محمد بيومي مهران

76

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ويجيب العليّ القدير دعوة النبي الكريم ، فيأمره أن يصنع الفلك « حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ، قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ، وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » « 1 » ، وهكذا أنقذ اللّه نوحا ومن آمن معه ، وأهلك الكافرين من قومه « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » « 2 » ثم أمر اللّه نوحا أن « اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » « 3 » . هذه هي الخطوط الرئيسية بإيجاز شديد لقصة نوح عليه السلام - كما أخبر عنها ربي جلّ جلاله في القرآن الكريم - وهي هنا إذا ما قورنت بغيرها من القصص الذي تعرض لقصة الطوفان ، سواء أكان ذلك من القصص الإنساني أو السماوي ، لبان لنا بوضوح الفرق الشاسع - بغير حدود - بين ما أنزله اللّه على مولانا وسيدنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبين ما كتبته أقلام ناقصة معرفة أحيانا ، ومتعصبة أحيانا أخرى ، وساذجة في أغلب الأحايين ، وإن كان بعضها يزعم لها أصحابها ما يزعمون من قداسة . والقرآن الكريم حين تناول قصة الطوفان تناولها بما يتفق وأغراض القصص القرآني ، دونما حاجة إلى تفصيلات لا يقتضيها سياق القصة ، ثم جاء المفسرون والمؤرخون الإسلاميون وحاولوا تفسير هذه القصة بإسهاب وتفصيل ، إلا أن هذا التفصيل لعبت فيه الإسرائيليات دورا عكّر صفوها في كثير من الأحايين ، فيرون مثلا أن اللّه أمر نوحا أن يغرس شجرا ليصنع منه السفينة ، وأن النبي الكريم قد غرس هذا الشجر ، ثم انتظره مائة عام ، ثم نجره في مائة أخرى على رواية ، وفي أربعين على رواية أخرى « 4 » ، ولست أدري من أين جاءوا بهذا الأرقام ، وما هو المصدر الذي اعتمدوا عليه . والأمر كذلك بالنسبة إلى طول السفينة ، فهي ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين

--> ( 1 ) سورة هود : آية 40 . ( 2 ) سورة هود : آية 44 . ( 3 ) سورة هود : آية 48 . ( 4 ) الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير : - البداية والنهاية في التاريخ ج 1 ( القاهرة 1932 ) ص 110 ، وكذلك الإمام القرطبي : الجامع لأحكام القرآن - دار الشعب 1970 - ص 3259 ، وكذلك الإمام الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 1 ص 181 ( حيث يذكر رواية ثالثة تذهب إلى أنها أربعمائة عام ) .